في عالمٍ يهرع نحو كل ما هو مؤقت، ونحو العلاقات التي تشبه الوجبات السريعة، نقف أحياناً أمام مشهدٍ صامت على ضفاف البحيرات الهادئة، ونرى وفاء البجع لبعضه البعض…!
منذ فجر التاريخ، والإنسان يبحث عن تميمةٍ تُجسد الوفاء، و رمز للولاء والحب فلم يجد بين فيافي الأرض ولا أعالي السماء أصدق من "البجع". هذا الطائر الذي لا يكتفي بمنحنا مشهداً بصرياً ساحراً، بل يقدم لنا درساً في "أنطولوجيا" الحب. ولكن، هل سألت نفسك يوماً: لماذا سكن البجع قصائد الشعراء دون غيره؟ وهل خلف ذلك البياض الناصع أسرارٌ تتجاوز مجرد الشكل الجمالي؟
حين تكتملُ أنصاف القلوب
حين يلتقي بجعان، لا يكون اللقاء عابراً، بل هو اصطدام أرواحٍ تقرر الانصهار في جسد واحد. تبدأ "رقصة البجع" الأسطورية كباليه مائي مُخطط له ؛ يتقابلان وجهاً لوجه، وتبدأ سيمفونية الانحناءات المتبادلة، حيث يرتفع الرأس وينخفض في تزامنٍ مذهل كأن موزعاً موسيقياً يقود حركتهما. ومع اقتراب الصدور، تنحني الأعناق الطويلة لتلتقي المناقر في نقطة واحدة، راسمين شكل "القلب" الذي اتخذه البشر رمزاً للحب، دون أن يدركوا أنه ميثاقٌ غليظ عند هذه الطيور، يُعقد لمرة واحدة في العمر. في هذه الرقصة، يضربان الماء بأجنحتهما ويغصان معاً في دقة متناهية، وكأنهما يوقعان عقداً لا يُفسخ إلا بالموت.
و بينما يرى العالم في البجع رمزاً للرومانسية، رأت الثقافات القديمة فيه رمزاً للتضحية التي تتجاوز حدود العقل. تقول الأسطورة القديمة (والتي انتشرت بكثرة في العصور الوسطى) إنه عندما يحل القحط وتخلو البحيرات من السمك، وتشرف صغار البجع على الهلاك جوعاً، لا تقف الأم مكتوفة الجناح.
تقول الحكاية إن البجعة، في لحظة يأسٍ مهيبة، تقوم بشق صدرها بمنقارها الخاص، لتقدم دماءها طعاماً لصغارها، مانحةً إياهم الحياة من نزيف قلبها. وعلى الرغم من أن العلم الحديث يخبرنا أن هذا لا يحدث حرفياً (بل هي مجرد طريقة إطعام تبدو للناظر من بعيد وكأن البجعة تنقر صدرها)، إلا أن "المعنى" خلف الأسطورة ظل حياً؛ وهو أن الحب عند هذا الطائر يعني الفناء في سبيل الآخر.(تظل مجرد أسطورة لم يُتأكد منها عزيزي القارئ)
مأساة الوفاء: هل يموت البجع حزناً؟
وهنا نصل إلى الجانب الأكثر شجناً؛ ماذا يحدث حين ينكسر ذلك القلب؟ الحقيقة العلمية هنا تفوق الخيال مرارةً. ينتمي البجع لنظام "الارتباط الأحادي"(Monogamy)"، وعندما يفقد شريكه، لا يمر الأمر كحدثٍ عابر. لقد رصد العلماء حالات حقيقية لما يُسمى "الاكتئاب السريري" لدى البجع الأرمل؛ حيث يبدأ بالعزلة، يمتنع عن الطعام، ويطلق أصواتاً جنائزية تشبه النواح الصامت. وفي كثير من الأحيان، يرفض البجع الارتباط مجدداً، ويظل وفياً لذكرى شريكه حتى يذبل ويموت حزناً فيما يُعرف بـ "متلازمة القلب المنكسر". إنه يرفض أن يكمل الرحلة وحيداً في مياهٍ لم تعد تعكس وجه نصفه الآخر.
في النهاية بينما نتأمل في انحناءة تلك الأعناق، يلحّ علينا السؤال: إذا كانت الطيور تمتلك هذه القدرة على الثبات، فما الذي جعل الإنسان -سيد العقل- يهرع نحو العلاقات العابرة؟ هل الوفاء الأبدي غريزة فطرية فقدناها مع ضجيج الحداثة، أم أنه قرارٌ يحتاج إلى ريشٍ ناعم وقلبٍ صلب كقلب البجع؟


