حين نطق ألبير بهذه العبارة، لم يكن يصف غياباً مادياً، بل كان يترجم ببراعة تلك اللحظة التي يدرك فيها المرء أن الوجود الجماعي لا يمنح عزاءً حقيقياً للروح. قصد ألبير كامو هنا أن يسلط الضوء على الفجوة الشاسعة بين المشاركة في المأساة أو تفاصيل الحياة اليومية، وبين العزلة الداخلية الفردية؛ فرغم أن الأجساد تتقاسم نفس المكان والزمان والمصير، إلا أن كل إنسان يظل في نهاية المطاف سجين وعيه الخاص وخوفه بمفرده، وكأن ألبير يخبرنا أن أقصى درجات الاغتراب هي تلك التي تصيبنا ونحن في أحضان الجماعة. «كنتُ معهم، ومع ذلك كنتُ وحيداً».
عندما تعمقت في قراءة هذه العبارة وفكرت بها كثيراً و أضفتها إلى عقلي المتواضع
يعبر ألبير عن صدمة الوعي التي تصيب الإنسان عندما يكتشف زيف "الأمان الجماعي". لقد أراد أن يوضح عجز المشاركة المادية عن ترميم الروح،التواجد الجسدي في نفس المكان، ومقاسمة الآخرين نفس الظروف، وحتى تبادل الأحاديث والابتسامات معهم، كل هذه الأمور السطحية تعجز تماماً عن سد الفجوة الداخلية إذا كانت الأرواح متباعدة، والتعبير عن خصوصية المعاناة ،أن الألم، والخوف، والتساؤلات الوجودية هي مشاعر ذاتية جداً. عندما يمر المجتمع بكامله بظرف عصيب أو يعيش حياة روتينية، يعتقد البعض أن الجميع يشعرون بنفس الطريقة، لكن الحقيقة هنا أن لكل منا طريقته في أستقبال الألم ،كأنه يريد قول: "لا، إن طريقتي في تلقي الحياة وفهمها تخصني وحدي، ولا أحد ممن حولي يدرك عمق ما أدور فيه"
لكن دعونا نتعمق أكثر و نفهم كل كلمة في العبارة العميقة هذه
«كنتُ معهم» (وهمُ الاتصال)
يقصد ألبير هنا إثبات الحضور الكامل؛ فهو ليس معزولاً في غرفة مظلمة، وليس منفياً في جزيرة مهجورة. إنه وسط الضجيج، يرى الوجوه، ويسمع الأصوات، ويشارك في طقوس الحياة اليومية. هذا الجزء من العبارة يمثل "الخداع البصري" الذي يراه الوعي الخارجي؛ حيث يظن من يراقب المشهد من بعيد أن هذا الإنسان جزء لا يتجزأ من المجموع. لكن يتبين لنا أنه معهم جسدا فقط أما الروح تبحر في وادٍ آخر ، فليس كل من في المجموعة هو حقاً معنا.
«ومع ذلك» (صدمة الاستيقاظ)
هذه الكلمة هي نقطة التحول في قصد ألبير، وهي الجدار السميك الذي يفصل بين فضاءين. يقصد بها إعلان الانفصال التام؛ فبرغم كل الروابط الظاهرية (المكان، الزمان، الحديث المشترك)، إلا أن هناك "حاجزاً لامرئياً" يمنع الروح من الاندماج. إنها لحظة استيقاظ الوعي ليرى أن كل ما حوله مجرد ديكور خارجي لا يلامس جوهره.
لكن عندما بحثت عن مسمى لهذا الشعور في علم النفس تبين لي أن هناك عدة مصطلحات لكن الأقرب لهذه هي العزلة الثقافية أو الفكرية (Cultural Estrangement): عندما يشعر الإنسان أن وعيه، واهتماماته، وطريقة تفكيره تختلف تماماً عن السائد في محيطه. يرى الآخرين غارقين في وادٍ وهو في وادٍ آخر، فيحدث انفصال شعوري يجعله يرى العالم من خلف زجاج.
لكن سأكتب هذه العدة مصطلحات الأخرى وأشاركها معكم
«كنتُ وحيداً» (حتمية الفردانية)
هنا يتجلى القصد الأعمق لألبير؛ الوحدة هنا ليست "عاطفية" (بمعنى الافتقاد للأصدقاء)، بل هي وحدة وجودية. يقصد الكاتب أن الإنسان في نهاية المطاف، ومهما بلغت درجة قربه من الآخرين، يظل سجين وعيه الخاص. لا أحد يستطيع أن يفكر بدلاً عنك، ولا أحد يمكنه أن يختبر مشاعرك بدقتك المتناهية. أنت تواجه الحياة، بأسئلتها ومصيرها، بمفردك تماماً، حتى لو كنت واقفاً في طابور مزدحم.
لكن السؤال هنا لماذا نشعر بالوحدة بين الآخرين ؟
إن هذه الوحدة الموصوفة في الاقتباس ليست رغبة في الانعزال، بل هي نتيجة لعدة فجوات شعورية وفكرية تفصل الإنسان عن محيطه:
1. فجوة الوعي والإدراك عندما يرتد المرء إلى داخله وسط الحشد، يكون ذلك غالباً بسبب اختلاف مستويات الرؤية. قد يكون الآخرون غارقين في تفاصيل يومية عابرة، بينما هو غارق في تساؤلات كبرى حول الحياة، أو متأمل في هشاشة اللحظة. هذا التباين في الاهتمامات يخلق جداراً سميكاً من الصمت غير المنطوق؛ فيصبح الكلام معهم مجرد ثرثرة لا تلامس الجوهر.
2. تجربة الألم المعاناة الإنسانية، بجميع أشكالها، هي تجربة ذاتية بامتياز. قد يمر الحشد بذات الظروف أو يواجه ذات التحديات، لكن طريقة استقبال الألم تختلف من روح إلى أخرى. عندما يشعر الإنسان أن عمق وجعه أو خوفه لا يمكن أن يُترجم بدقة ليفهمه الآخرون، ينكفئ على نفسه، شاعراً بأن قصته حكرٌ عليه وحده، وأن الآخرين مجرد متفرجين على مسرح حياته.
3. قناع التكلف الاجتماعي في كثير من الأحيان، يتطلب التواجد مع الآخرين ارتداء "أقنعة" اجتماعية ملائمة للظرف: ابتسامات مجاملة، إيماءات موافقة، ومجاراة للحديث. هذا الانفصام بين ما يشعر به المرء في أعماقه (من حزن أو تشتت) وبين ما يظهره للعلن، يضاعف شعوره بالوحدة؛ لأنه يشعر بأن الآخرين يتعاملون مع قناعه الخارجي لا مع حقيقته الروحية.
ما الذي يريد ألبير أن يوصله إلينا؟
يريد أن يوصل إلينا حقيقة مريرة ولكنها واقعية: إن أشد أنواع الوحدة ضراوة وقسوة هي تلك التي تباغتك وأنت محاطٌ بالجميع.
عندما تكون وحيداً في غرفتك، فإن وحدتك منطقية ومبررة بغياب البشر. لكن عندما تكون "معهم" وتستمر وحيداً، فإن هذه الوحدة تعني أن "جسر التواصل الشعوري" بينك وبين العالم قد انقطع؛ فتصبح الوجوه من حولك مجرد عابرين في فيلم صامت تنظر إليهم من وراء لوح زجاجي عازل، تسمع جلباتهم لكنك لا تجد صدى لروحك في أي منهم.
أتمنى أنكم أستمتعتم بقراءة المقال ، شاركوني أرائكم حول العبارة




قرأت هذه العبارة قرأتها للمرة الأولى بطريقة عابرة اول مرة افهمها بهذا العمق شكرا 🤍