هل ألقيتَ التحية على المساء اليوم؟
لو كنتَ تفعل ذلك من نافذتك الأرضية المعتادة، فبالتأكيد قد ألفتَ ذلك المشهد المهيب: قرصُ الشمس يغرق ببطء في الأفق، تاركاً وراءه ألواناً بهية من الأحمر والبرتقالي،إنه مشهد يبعث في النفس سكينةً دافئة، وربما يحثّك على ارتشاف كوبٍ من القهوة وأنت تتأمل الصمت الذي يحلّ مع رحيل النهار …ولكن، خذ نفساً عميقاً، ودعني أأخذك في رحلةٍ خيالية عبر الفضاء البعيد.. لنقف معاً على أرض الكوكب المجاور، المريخ.
تخيّل أننا نتكئ الآن على صخرةٍ حمراء باردة، نراقب الشمس ذاتها وهي تتهيأ للغياب. انتظر قليلاً.. لا تبحث عن الحمرة المألوفة، فلن تجدها! هنا، وعلى عكس كل ما نشأتَ عليه، تصطبغ السماء حول الشمس المخبوءة بهالةٍ من الأزرق الثلجي الساحر، وغسقٍ بارد يشبه لون أثير البحار.
كيف يمكن لشمسٍ واحدة، تشرق علينا وعليهم، أن ترسم في دساتير الكون لوحتين متناقضتين إلى هذا الحد؟
لوحة الأرض: عندما يتلاشى الأزرق ليولد الأحمر
لنبدأ من بيتنا؛ الغلاف الجوي للأرض غني بالغازات، خاصة النيتروجين والأكسجين. جزيئات هذه الغازات صغيرة جداً، وهي أصغر من الأطوال الموجية للضوء المرئي.
عندما يمر ضوء الشمس عبر غلافنا الجوي، يصطدم بهذه الجزيئات الصغيرة فيحدث ما يسمى "تشتت رايلي" (Rayleigh Scattering). هذا التشتت يستهدف بدقة الأطوال الموجية القصيرة، وهي الضوء الأزرق والبنفسجي، فيبعثرها في كل اتجاه، ولهذا السبب نرى السماء زرقاء في وضح النهار. وتترك الألوان ذات الأمواج الطويلة (مثل الأحمر والبرتقالي) تمر بسلام.
أما عند الغروب، تختلف اللعبة تماماً:
تقترب الشمس من الأفق، مما يعني أن ضوءها يجب أن يقطع مسافة أطول بكثير عبر الغلاف الجوي ليصل إلى أعيننا.
خلال رحلته الطويلة هذه، يتعرض الضوء الأزرق لتشتت مكثف ومستمر حتى يتلاشى وبعيداً عن خط رؤيتنا.
الأطوال الموجية الطويلة (الأحمر والبرتقالي) هي الوحيدة التي تملك القدرة على الصمود واختراق هذه المسافة الطويلة دون أن تتشتت كثيراً، فـتصل إلينا وتصبغ السماء بألوان الوداع الدافئة.
كيف يقلب الغبار المريخي موازين الرؤية؟
أما في المريخ على بعد ملايين الكيلومترات، يبدو المشهد مغايراً تماماً بسبب طبيعة غلافه الجوي؛ فهو رقيق للغاية (نحو 1% فقط من كثافة غلاف الأرض)، لكنه ليس نقياً، بل هو مشحون دائماً بجزيئات دقيقة جداً من الغبار الغني بأكسيد الحديد (الصدأ)، وهو نفس الغبار الذي يعطي المريخ لونه الأحمر الشهير نهاراً.
حجم جزيئات الغبار المريخي أكبر بكثير من جزيئات الغاز الموجودة على الأرض، وهنا تتدخل آلية فيزيائية مختلفة تُعرف بـ "تشتت مائي" (Mie Scattering).
تتعامل هذه الجزيئات مع الضوء بطريقة معاكسة:
1 تشتيت الأحمر بعيداً: أثناء الغروب، يقوم الغبار المريخي بتشتيت الضوء الأحمر ذي الأطوال الموجية الطويلة في اتجاهات واسعة وبعيدة عن الشمس، مما يجعل السماء البعيدة عن الأفق تبدو وردية أو مائلة للبني.
2 تمرير الأزرق بقوة: في الوقت نفسه، يسمح هذا الغبار للضوء الأزرق (ذو الأطوال الموجية القصيرة) بالمرور واختراق الغلاف الجوي في اتجاه أمامي مباشر تقريباً.
3 العرض البصري: نتيجة لذلك، يتجمع الضوء الأزرق في هالة مركزة ومضيئة تحيط بقرص الشمس وقت غروبها، ليخلق مشهداً من أزرق الساحر.
في النهاية، يبقى الغروب—سواء كان أحمراً على الأرض أو أزرقاً على المريخ—هو الفاصل الزمني الأكثر سحراً في الكون؛ اللحظة التي تعلن فيها الكواكب تعب النهار وبداية سكينة الليل، فسبحان من جعل من الضوء الواحد أفقين متناقضين، وسبحان من يُسيّر هذه الأجرام بحكمة بالغة، مبرهناً لنا في كل غسق أن بيده ملكوت كل شيء، وأن تصريف هذا الكون البديع طوع أمره وحده، لكن لدي لك سؤال عزيزي القارئ لو خُيّرت يوماً بين تأمل الغروبين، أيّهما كنت ستختار لتبوح له بأسرار نفسك: غروب أرضك الدافئ، أم غموض المريخ الأزرق البارد؟



تشتت ميه و رايلي